الآخوند الخراساني

7

كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )

والاستمرار الّذي يكون بحسبه محلاًّ للتكليف ( 1 ) . ثمّ إنّه لا دلالة لصيغته على الدوام والتكرار ، كما لا دلالة لصيغة الأمر ، وإن كان قضيّتهما عقلا تختلف ولو مع وحدة متعلّقهما ; بأن يكون طبيعة واحدة بذاتها وقيدها تعلَّقَ بها الأمر مرّةً والنهي أخرى ( 2 ) ، ضرورة أنّ وجودها يكون بوجود فرد واحد وعدَمَها لا يكاد يكون إلاّ بعدم الجميع ، كما لا يخفى ( 3 ) .

--> ( 1 ) وهذا جوابٌ عن الاستدلال المذكور . وحاصله : أنّ العدم الأزليّ وإن كان بحسب ذاته غير مقدور - إمّا لكونه سابقاً على وجود المكلّف ، وإمّا لكونه محض البطلان - ، لكن المكلّف قادرٌ على إيجاد الشيء ، ولازمه قطع استمرار العدم ، كما أنّه قادر على إيجاده ولازمه استمرار العدم ، والقدرة على الملزوم قدرة على اللازم ، وهذا المقدار من القدرة كاف في صحّة تعلّق النهي بالعدم . ( 2 ) كأن يقول المولى : « صلّ صلاة الجمعة في زمان الحضور ولا تصلّها في عصر الغيبة » . ( 3 ) لا إشكال في أنّ مقتضى النهي يختلف مقتضى الأمر لدى العقلاء ، سواء تعدّد متعلّقهما أو اتّحد ، فإنّ الأمر إذا تعلّق بطبيعة يكتفى في امتثاله بإتيان فرد واحد ، بخلاف النهي ، فإنّه إذا تعلّق بطبيعة فلا يمتثل إلاّ بترك جميع أفراده . وإنّما الخلاف في بيان الوجه في ذلك : فذهب المصنّف ( رحمه الله ) إلى أن هذا الاختلاف يرجع إلى حكم العقل في مقام الامتثال ، لأنّ المطلوب في باب الأمر وجود الطبيعة ، ومقتضى العقل أنّها توجد بوجود فرد واحد منها ; والمطلوب في باب النهي ترك الطبيعة ، ومقتضى العقل أنّ تركها لا يتحقّق إلاّ بترك جميع الأفراد . وذهب المحقّق الإصفهانيّ - بعد المناقشة فيما أفاد المصنّف ( رحمه الله ) ، بدعوى أنّ الطبيعة كما توجد بوجود فرد منها كذلك تنتفي بانتفائه ، ولا مقابلة بين الطبيعة الملحوظة على نحو تتحقّق بتحقِّق فرد منها والطبيعة على نحو تنتفي بانتفاء جميع أفرادها - إلى أنّ المُنشأ حقيقةً ليس شخص الطلب المتعلّق بعدم الطبيعة كذلك ، بل سنخ الطلب الّذي لازمه تعلّق كلّ فرد من الطلب بفرد من طبيعة العدم عقلاً ، بمعنى أنّ المولى يُنشىء النهي بداعي المنع نوعاً عن الطبيعة بحدّها الّذي لازمه إبقاء العدم بحدّه على حاله ، فتعلَّقَ كلّ فرد من الطلب بفرد من العدم - تارةً بلحاظ الحاكم ، وأخرى بحكم العقل - لأجل جعل الملازمة بين سنخ الطلب وطبيعيّ العدم بحدّه . نهاية الدراية 1 : 508 - 509 . وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ المصلحة في باب الأوامر قائمة بصِرْف وجود الطبيعة على نحو الإيجاب الجزئيّ ، لا مطلق الوجود على نحو الإيجاب الكلّي ، ما لم تقم قرينة على الخلاف ; وصرف الوجود يتحقّق بأوّل وجود الطبيعة . وأمّا المفسدة في باب النواهي قائمة بمطلق وجود الطبيعة ، إلاّ إذا قامت قرينة على أنّها قائمة بصرف وجودها ; فيكون النهي لأجل مبغوضيّة الطبيعة ، وهي تسري إلى جميع أفرادها ، فينحلّ النهي حسب تعدّد الأفراد ويكون المطلوب في النهي هو ترك كلّ فرد فرد على نحو العامّ الاستغراقيّ . فوائد الأصول 2 : 395 . وأمّا العلمان السيّدان الإمام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ - بعد ما ناقشا في ما أفاد المصنّف ( رحمه الله ) والمحقّقان الإصفهانيّ والنائينيّ - : فذكر كلّ منهما وجهاً آخر لبيان الفرق بينهما . أمّا السيّد الإمام الخمينيّ : فذهب إلى أنّ هذا الاختلاف يرجع إلى حكم العرف ، لأنّ الطبيعة لدى العرف توجد بوجود فرد مّا وتنعدم بانعدام جميع الأفراد . مناهج الوصول 2 : 104 - 108 . وأمّا السيّد المحقّق الخوئيّ : فذهب إلى أنّ نتيجة مقدّمات الحكمة في طرف الأمر هي الإطلاق البدليّ وصرف الوجود ، فيجوز الاكتفاء في مقام الامتثال بإيجاد فرد من أفراد الطبيعة ; وفي طرف النهي هي الإطلاق الشموليّ وحرمان المكلّف عن جميع أفرادها الدفعيّة والتدريجيّة . المحاضرات 4 : 89 - 113 . ولا يخفى : أنّ ثمرة هذا الاختلاف تظهر فيما إذا تعارض دليل النهى مع دليل آخر يتكفّل بيان مفاده بمقتضى الوضع - كالعموم الوضعيّ - ، فإنّه بناءً على أن يكون منشأ استفادة إطلاق الطبيعة في مورد النهي هو العقل تعارض الدليلان ، ولم يقدّم الدليل الآخر على دليل النهي ، لكون ظهور كلّ منهما تنجيزيّاً . وأمّا بناءً على أن يكون منشأ استفادة إطلاقها في مورد النهي من مقدّمات الحكمة فيكون الدليل الآخر مقدّماً على دليل النهي ، لتقدّم الظهور الوضعيّ على الظهور الإطلاقيّ .